جدول تنقل القضاة في محافظة اللاذقية يثير قلقاً وبلبلة في المجمع القضائي في جبلة واللاذقية
فينكس- خاص- اللاذقية
أثار جدول تنقّل القضاة المتعلّق بمحافظة اللاذقية, والصادر عن وزارة العدل, بتاريخ 15 تشرين الأول 2017, بلبلة وقلقاً في أوساط القضاة القاطنين في المجمع القضائي في مدينة جبلة.
وفي التفاصيل, التقى وزير العدل السوري هشام ممدوح الشعار, ورئيس التفتيش القضائي في الوزارة سلوى قضيب, بتاريخ 28 أيلول 2017, مع القضاة في محافظة اللاذقية, وتحدّث عن الفساد والتحزبات في القضاء في المحافظة.
طبعاً, الفساد موجود في كلّ مكان, وهو ليس حكراً على مدينة أو محافظة دون سواها, ولسنا في وارد الحديث عن المدينة الأكثر فساداً, إذ الفساد مؤسسة تتغذى على النفوس الضعيفة والقرارات الرسمية غير الصائبة. انطلاقاً من هنا, نتساءل: هل كان وزير العدل السوري موفقاً في تشكيلته القضائية الأخيرة والجديدة (15 تشرين الأول لهذا العام) المتعلّقة بمحافظة اللاذقية؟!
دعونا نحتكم إلى الوقائع, وليس إلى النوايا..
انتقل, بموجب جدول التنقل الجديد, 9 قضاة من محكمة (بمختلف مسمياتها وتخصصاتها) اللاذقية إلى محكمة (بمختلف مسمياتها وتخصصاتها) جبلة.
كما تم نقل قاض من مدينة جبلة إلى الحفة! والقاضي المنقول إلى الحفة يكون رئيس محكمة الاستئناف, وهو يصلح مثالاً لارتجالية جدول التنقّل. إذ بعملية حسابية بسيطة, يظهر معنا مايلي:
المسافة بين مدينتي جبلة والحفة (123 كم ذهاباً وإياباً), والدولة تعوّض للقاضي 94 لتراً من البنزين شهرياً, بمعنى أن استهلاكه للبنزين يومياً نحو 18 لتراً. والمعروف أن رئيس المحكمة سيداوم 25 يوماً من أصل 30 يوماً هي تعداد أيام الشهر, ما يعني أن الحاجة الفعلية لسيارته من البنزين (لا نحسب هنا أية أضرار قد تتعرض لها السيارة, ولا أية تكاليف صيانة) هي قرابة 440 لتراً في الشهر, أي بزيادة 346 لتراً عما تقدمه له الدولة من تعويض بنزين (94 لتراً في الشهر)! وقيمة الفارق في البنزين, الذي سيدفعه القاضي من جيبه الخاص كي يصل إلى مكان عمله هو 77850 ليرة سورية (محتسبين أن سعر اللتر 225 ليرة سورية) أي ما يفوق معاش القاضي بـ 18 ألف ليرة سورية (باعتبار أن معاش القاضي مهما علا شأنّه هو 60 ألف ليرة سورية)! فهل مثل هذا الإجراء من قبل الوزارة يساهم في إصلاح القضاء أم أنّ فيه دعوات مبطنة كي يصبح القاضي مرتشياً! وهذا ما نرفضه ونخشاه في آن, ونربأ بأن يكون هو هدف الوزارة.
في الشق الثاني من البلبلة التي آثارها جدول التنقلات غير المدروس كما يجب, نلفت الانتباه أنّه تمّ توجيه كتب لقضاة يسكنون في المجمع القضائي في جبلة تقضي بإنهاء تخصصهم في السكن والإخلاء فوراً (باعتبار أنّ عملهم كان في محكمة جبلة.. لو كانوا مستأجرين عند مواطنين عاديين لكانوا أعطوهم مهلة!), على خلفية نقلهم إلى محكمة (بمختلف مسمياتها) مدينة اللاذقية؛ والمثير في الأمر, عدا أنّه قرار ارتجالي أو شبه ارتجالي رغم أنّه قرار وزاري, إذ هو قرار لم يراع أين سيسكن القضاة المفترض أن يتركوا سكنهم! ولا سأل القرار إن كان لديهم سكناً آخر, ولا أشار إلى ضرورة إيجاد سكن بديل للقضاة المنتقلين, أو أنّهم من داخل أو خارج المحافظة ولهم سكن بديل قريب من مكان عملهم الجديد!
نفيد هنا, أنّ ثمة قاضيان من جبلة وريفها (البرجان) يزاولان عملهما في محكمة القرداحة, ولديهما سكن في المجمع القضائي في القرداحة, فهل من الإنصاف بمكان أن يكون لأبناء المحافظة سكن’ في المجمع القضائي فيما لقضاة آخرين من خارج المحافظة لا؟!
أكثر من ذلك, تزامن القرار –قرار إخلاء السكن للقضاة المذكورين آنفاً في محكمة جبلة- مع وجود طلاب لجميع القضاة المفترض أن يخلوا سكنهم في المجمع القضائي في جبلة, في مدارس المدينة ورياض أطفالها, ناهيك عن وظائف نسائهم!
وما يثير الريبة فيما يتعلّق بالسكن, أكثر من كل ما سبق, هو أنّ القضاة المفترض أن يخلوا سكنهم في مجمع جبلة, هم من حلب وحماه ومحافظات أخرى غير اللاذقية كما نوهنا سابقاً, فيما أتى قرار بأن يحلّ مكانهم قضاة من مدينة اللاذقية وصنوبر جبلة!
ترى: هل تأكّد مُصدر ذلك القرار أنّه ثمة سكن آخر للقضاة الذين أتى قرار بإخلائهم لسكنهم في مجمع جبلة بذريعة أنّ عملهم لم يعد في محكمة جبلة (علماً أنّ المجمع كان يسكنه –قبل قدوم الوزير الشعار- قضاة أماكن عملهم في محاكم القرداحة وغيرها, باعتبار أنّه مجمّع قضائي يخصّ منطقة جبلة كلها وليس المدينة فقط), وهل أمّن لهم مساكن أخرى بديلة لهم؟ أو هل يحوزون على مساكن قريبة من أماكن عملهم حتى مسافة 50 كم؟ لم نسمع أنّ القرار درس ذلك..
وهل أكّد القرار القاضي بإشغال قضاة (منهم من مدينة اللاذقية وصنوبر جبلة) بعدم حيازتهم على سكن في مكان تواجدهم السابق كي يُسكنهم مكان قضاة آخرين, لا ندري كيف سيتدبرون أمورهم؟ وهل يدرك السيد وزير العدل, كم هي المسافة بين صنوبر جبلة ومدينة جبلة كي يخصّ قاض من هناك بسكن في المجمع القضائي بجبلة على حساب قاض آخر من خارج محافظة اللاذقية قد لا يكون لديه سكناً بديلاً؟!
يُشاع, أن رئيس النيابة الجديد, في مدينة جبلة, له علاقة, في البلبة التي أثيرت في أوساط المجمع القضائي بجبلة, ولئن كان ما يُشاع صحيحاً (وهذا ما لانجزم به), فليس اللوم على رئيس النيابة, بل على من يصدر قرارات تفتقر إلى الدراسة والتأني, وتزعم أنّها تتوخى الاصلاح, لكنّها قد تزيد طين الفساد بلة.
وقبل أن نختم, يحق لنا أن نتساءل: لماذا لا يوجد في سوريا نقابة أو اتحاد للقضاة على غرار اتحاد المحامين, والصحفيين, والكتّاب؟ أو ناد للقضاة على غرار ما هو موجود في مصر ودول أخرى عدة, ناد, فيه ضمان صحي وتقاعدي.. الخ, ويكون بمثابة مرجعية استشارية بخصوص شئون القضاء, الإدارية منها على الأقل.
أخيراً: قيل لونستون تشرشل,بُعيد الحرب العالمية الثانية: "لقد دُمرت البلد يا تشرشل", فقال لهم: "هل القضاء والتعليم بخير؟", فأجابوه بنعم, فقال لهم: "إذاً البلد بخير".
ترى: هل القضاء والتعليم في سوريا, بخير؟